الإجازات المرضية.. الطريق الأسهل للهروب من العمل!

    لا تكاد تخلو الكثير من الإدارات الحكومية والخاصة من تزايد في أعداد تقارير الإجازات المرضية، لاسيما تلك التي لا تتجاوز مدتها سبعة أيام، ورغم أحقية البعض لها إلاّ أن البعض الآخر أعتبرها نافذة نظامية للتهرب من مسؤولياته وواجباته متى ما شاء وكيفما أراد، فالبعض منهم استغل علاقاته الشخصية أو ادعاء المرض وتمثيله المتقن أمام الطبيب في حين هناك من يلجأ إلى شرائها، وساهم تساهل الأطباء في منح الإجازة المرضية على زيادة حجم المشكلة، الأمر الذي يتطلب مراجعة نظام الإجازات لدينا، عبر تشكيل فريق عمل من مختلف الجهات المعنية، على أن يكون هناك استراتيجية ودراسة وافية للوصول إلى الحلول التي من خلالها نحصل على أفضل إنتاجية من الموظف.

سوء إدارة

وقال د. سالم القحطاني –أستاذ الإدارة بكلية إدارة الأعمال بجامعة الملك سعود، خبير في الاستراتيجيات والتطوير-: إن ظاهرة تزايد التقارير الطبية الوهمية تعود إلى سوء في الإدارة أو لخلل في نظام الاجازات، إضافةً إلى عدم تهيئة جو العمل المريح للموظف، مضيفاً: من المهم أن نسأل لماذا يلجأ الموظفون إليها، مبيناً أن السبب الحقيقي والجوهري يتعلق بتقليص مدة الاجازة الاضطرارية في نظام الاجازات إلى خمس أيام بعد أن كانت عشرة أيام، وبالتالي فإن الموظف الذي لا يكون لديه رصيد كاف من الإجازات النظامية يلجأ إلى استغلال الاجازة المرضية، خاصةً وأن من يعمل في قطاع التعليم لا يستطيع أن يحصل على اجازته الثانوية إلاّ في الوقت المخصص وهذا يضيق عليه إذا أراد أخذ إجازة عند حاجته لها، ذاكراً أن عدم تساهل وتفهم جهة العمل التي يعمل بها الموظف في إعطائه إجازة إضافية لظروفه الطارئة بل على العكس يواجه صعوبة وتشدد من جهة العمل وهنا يضطر إلى هذا النوع من الإجازات، مشيراً إلى أن هناك أيضاً من يستغلها تكاسلاً وتخاذلاً عن أداء مهامه إمّ لأنه شخص غير ملتزم، أو لأن بيئة العمل تكون طاردة وفيها كثير من المشاكل.

تجارة التقارير

وأوضح د. القحطاني أن تساهل بعض الأطباء في منحها أو سهولة الحصول عليها أمر يزيد من حجم الظاهرة، وللأسف أصبحت هناك تجارة في بيع التقارير الطبية، مضيفاً أن الحد من تلاعب البعض بالإجازات المرضية يتطلب مراجعة نظام الاجازات لدينا على أن يكون الموظف هو محور الاهتمام، إذ لابد أن نعالج قضية عدم مقدرتهم على الحصول على الاجازات في الاوقات التي يحتاجونها وخاصة من كانوا في قطاع التعليم وهم أكثر من يلجأ إلى هذه الاجازات وبالتالي الحاجه ماسه حقاً في اعادة النظر الى نظام الاجازات كاملاً سواء الاجازات المرضية أو الاضطرارية أو الاستثنائية، مطالباً أن يشكل فريق عمل من مختلف الجهات المعنية ويكون هناك استراتيجية ودراسة وافيه للوصول الى الحلول التي من خلالها نحصل أفضل إنتاجية من الموظف.

نمط حياة

وأكد د. محمد البيشي –خبير التنمية البشرية– على وجود ارتباط قوي بين سوء الإدارة وارتفاع حجم الاجازات المرضية سواء كانت صادقة أم تحايل، مضيفاً أن نمط الحياة في مجتمعنا السعودي يضيف أعباء على الموظف تحتم عليه اللجوء للإجازة الاضطرارية كطوق نجاة، ومن أبرزها ضعف منشآت الخدمات كالحضانات ووسائل النقل العام والتمدد الأفقي للمدن والزحام وانحسار الأسر الممتدة، وكذلك الالتزامات الاجتماعية والأنظمة المقتبسة من دول غربية تختلف في ثقافتها ونمط الحياة فيها عن المملكة والحل هو تفهم الظروف، ويستحيل أن تكون طبيعي في ظروف غير طبيعية، مبيناً أن إجراءات منح اجازة اضطرارية هي الأخرى تحتاج لشيء من المراجعة والأحكام أكثر مما تم ويمكن أن تكون اقتطاع نسبة من راتب المتغيب بسبب الاجازة الاضطرارية لتكون رادع فكثير من الناس يتأثر باقتطاع ولو جزء يسير من راتبة، منوهاً أن هذا النوع من التمارض، ينطوي على أبعاد سلبية كثيرة، سواء على مستوى العمل، أو حتى على السلوك العام للموظف، فهو من جانب يؤدي إلى خسارة للمؤسسة التي يعمل فيها، نتيجة لتغيبه لفترات طويلة عن عمله، ما يراكم كمية العمل على زملائه، ومن جانب آخر يفقد الموظف بهذه الطريقة ثقة المؤسسة بمصداقيته، والأهم أن الأطباء المخالفين غير الملتزمين بأخلاقيات المهنة ممن يتلاعبون بالإجازات المرضية يشكلون خطراً في المواقع التي يعملون فيها.

حيز جنائي

من جهته قال د.أمين كشميري -أستاذ علم وظائف الأعضاء- : إن تلك الظاهرة مرتبطة بمدى وعي الموظف بأهمية العمل وأخلاقياته، مضيفاً أن التقارير الطبية التي قد يحصل بموجبها الموظف على إجازة غير مستحقة هو تصرف غير أخلاقي بدون أدنى شك، فالطبيب يعتبر مفرِّطاً في الأمانة التي تَوَافَقَ المجتمع على منحه إياها، كونه هو المخوَّل لذلك، بحكم اختصاصه وطبيعة عمله، هذا إذا كان ذلك من باب المجاملة، أمّ إصدار تقارير طبية لمنح إجازات مرضية لقاء مقابل مادّي، فذلك يتجاوز الحدود الأخلاقية ليدخل إلى الحيز الجنائي، الأمر الذي تحكمه قوانين وأنظمة بحق مانح التقارير ومتلقيها، بما هو كفيل بإنزال العقوبة المستحقة بكليهما، وكذلك لإحداث الردع اللازم استباقياً، لحماية المجتمع من مثل هذه السلوكيات الآثمة، مبيناً أن هذا النوع من التفريط أدى إلى زعزعة الثقة بين الأطراف ذات العلاقة، وإلى تشويه صورة الطبيب في كثير من الأحيان، مشيراً إلى أنه يجب أن نتذكر دائماً أن الطبيب هو جزء من مجتمعه، ولعله يستقرئ في ثقافة هذا المجتمع أو ذاك أن هذه السلوكيات تؤخذ على محمل المساعدة وتيسير أمور الناس، وأنه طالما يضطر في بعض الأحيان أن يطلب من بعض معارفه أن يساعده في متابعة معاملة في البلدية أو في المحكمة مثلاً، أو "يدبِّر" له حجز مقعد على رحلة كاملة الحجوزات، لكونه لا يستطيع أن يقوم بذلك شخصياً، في مجتمع لا يسأل عن المتضرر من هذه "الفزعات"، بل إنه يعتبر أن فلاناً "النشمي" "الكفو" هو الذي يقوم بذلك عادةً، متسائلاً: كيف نعامل الطبيب بمثالية في أجواء غير مثالية كهذه ؟، فهو لا يسعه والحالة هذه أن يتنكر لهذا "النشمي" إذا طلب منه مجرد تقرير بيومين إجازة، وإلا صنفه المجتمع بأنه من فئة "اللي ما فيهم خير"!.

أُسس تربوية

وأوضح د.كشميري أن الإجراءات الجزائية هي للعقوبة، وإذا تبين لنا من واقع الأرقام والحقائق الثابتة أن العقوبة لم تخفض نسبة المخالفات، وأن هذه المخالفات أصبحت ظاهرة فإن المسألة تصبح مستدعية لتدارس الأسس التربوية والأخلاقية التي أخفقت في درء هذه الظاهرة عن المجتمع حتى استفحلت إلى هذا الحد، مضيفاً: هنا تبرز أهمية النظرية الأخلاقية التي تنظر إلى المآلات، بمعنى أن الإجراء الذي يعتبر مقبولاً أخلاقياً هو الذي تكون مآلاته إيجابية للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، مبيناً أن المجتمع الذي يعتبر العلاقات الشخصية وسيلة مقبولة لتسيير أموره سواءً قبول أبنائه وبناته في الجامعة، أو إدخال مرضاه للمستشفيات، أو حصوله على انتدابات أو ترقيات غير مبررة، أو حتى مجرد الحصول على مقعد في رحلة على الطائرة ويمجِّد من ساعده في ذلك، هذا المجتمع عليه أن يراجع نفسه قبل أن يلوم الطبيب أو سواه في مهنة من المهن إذا قدَّم لهم تسهيلات مقابل ما يتحصل عليه منهم عند حاجته إليهم، هذا من الجانب السلوكي والأخلاقي، أمّ من الجانب التنظيمي، فربما كان من المناسب توسيع نطاق مسؤولية إصدار التقارير، بحيث يشارك في اتخاذ القرار بالإضافة إلى الأطباء أفراد آخرون، على سبيل المثال من يمثلون البُعد الاجتماعي والشرعي للموضوع، الأمر الذي يخفف عن الأطباء وطأة الحرج.

مكافحة التزوير

وأكد عبدالله علاء كساب –محامي- على أنه تم تجريم التلاعب بتقارير الإجازات المرضية بعد صدور نظام مكافحة التزوير الأخير حيث نصت المادة الرابعة عشر من نظام مكافحة جرائم التزوير على أن من زوّر أو منح شهادة طبية أو تقريراً على خلاف الحقيقة مع علمه بذلك يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز عام، وبغرامه لا تزيد على (#100) ألاف ريال، أو بإحدى العقوبتين، مضيفاً أن المشكلة ليست بالتجريم من عدمه بل في صعوبة إثبات التزوير خاصةً في الإجازات القصيرة، لذلك فإن الموظفين والموظفات المتحايلين يستغلون ذلك في الحصول باستمرار على تقارير طبية وهمية أو غير صحيحة، وفي استخدام التقارير الطبية في الغياب عن العمل، وساعد في ذلك أيضاً التساهل والتلاعب الذي يجدونه من الأطباء الفاسدين أو ممن تناسوا الأمانة الطبية فاعتادوا إصدار التقارير بدون وجه حق، مبيناً أن السبب الحقيقي في هذا الأمر هو ضعف الوازع الديني، حيث تناسى الطرفان سواء الأطباء أو الموظفين بأن هذا عمل محرم وغير جائز شرعاً، وقد صدرت فتوى من دار الإفتاء برقم (959) بأن المال المأخوذ مقابل الإجازة المرضية بدون مرض فعلي هو مال أُخذ بدون وجه حق وهو كسب غير مشروع، وقد أصدر العديد من الشيوخ فتاوى بتحريم أخذ الإجازة المرضية بدون مرض فعلي، مشيراً إلى أن قوة وضعف الوازع الديني والتوعية الدينية بأن هذا الفعل حرام هي الرادع الحقيقي لهذه التصرفات، وذلك لصعوبة إثبات المرض من عدمه خاصةً في الإجازات القصيرة والإجازات المرضية.

يمكنك قراءة الخبر ايضا في المصدر من هنا :جريدة الرياض