رأي الوطن : جريمة يفترض ملاحقة مرتكبها

مثلما كانت التوقعات بأن التلويث الأميركي للأرض والأجواء والمياه العراقية باليورانيوم المنضب يتجاوز حدود الردع أو تدمير القوة العسكرية للعراق إلى ما هو أبعد من ذلك، فالتقارير الواردة من بلاد الرافدين تتحدث عن عشرات المواقع الملوثة بهذه المادة السامة والخطرة، فقد أعلنت لجنة الصحة النيابية العراقية عن وجود أكثر من 55 موقعً ملوثً إشعاعيًّ باليورانيوم المنضب في العراق، وخاصة في نهر دجلة، جراء الضربات العدوانية التي نفذتها الولايات المتحدة على العراق في عامي #199#1 و2003 والتي تسببت بتلوث إشعاعي في معظم مناطق العراق. وحسب اللجنة، هناك ثلاثة أنواع رئيسية من التلوث في الماء والهواء والتربة، وأن نسبة التلوث في نهر دجلة قبل وصوله مسار العاصمة بغداد تزيد أربعة أضعاف بعد خروجه منها.
وإزاء ذلك وتحديدً خلال العامين #199#1 و2003، يمكن الوقوف على ملاحظتين، الأولى أن الحرب الأميركية على العراق في العام #199#1 في العقل الأميركي المخطط لها تتجاوز إخراج القوات العراقية من أرض #الكويت إلى تحقيق أهداف أكبر، وهي تدمير العراق وشل قدراته ليست العسكرية فقط، وإنما البشرية؛ لأن العراق كان مصدر قوته الأكبر هو القوة البشرية المتمتعة بالبنية العلمية الأساسية التي طبقت شهرتها الآفاق لدرجة أن العراق كان البلد الأول الذي نجح في القضاء على الأمية. والملاحظة الثانية وهي أن الغزو الأنجلو ـ أميركي في العام 2003 أيضً هدف إلى استكمال ما بدأته الحرب الإشعاعية على العراق وهي تهشيم ما تبقى من القوة العسكرية، وتدمير البنية العلمية والقضاء على رموزها من العلماء والأساتذة والأطباء والفيزيائيين والكيمائيين والعسكريين والتقنيين وغيرهم، وتجريف الأرض العراقية من أي مظهر من مظاهر العلم والتقدم والتطور والتحضر، وما يؤكد هذه الحقيقة هو الحملة الممنهجة لاستهداف العلماء العراقيين ومتابعتهم في الداخل والخارج وتصفيتهم، ولعل ما كشف عنه الرئيس السوري بشار الأسد في إحدى المقابلات الإعلامية مؤخرً عن المطالب الأميركية التي نقلها كولن باول وزير الدفاع الأميركي آنذاك والتي تتضمن تسليم العلماء العراقيين الذين هربوا من جحيم الغزو إلى سوريا، مهددً سوريا إذا لم تقم بذلك.
على أنه، إذا كان في العام #199#1 وما بعده تُرِكَ للاشعاعات السامة تفعل فعلها بحق الشعب العراقي، وتبيد منه الأجيال القادمة التي تولد مشوهة خلقيًّ على النحو الذي شاهده ولايزال العالم بأجمعه، بجانب الحصار الاقتصادي الظالم الذي استهدف جيل الأطفال، وما تسببه الحصار من نقص الغذاء والحليب والمواد الأساسية التي تتطلبها حياة الأطفال، فإن العام 2003 وما بعده تُرِكَ إفناء الشعب العراقي للفتن الطائفية التي بذرها الغزو الأنجلو ـ أميركي بين مختلف أطياف الشعب العراقي ومكوناته، حيث كان أشق المظاهر على نفس كل مسلم وعربي طاهر نقي أن يشاهد مسلمً محسوبً على طائفة يقتل أخاه المسلم المحسوب على طائفة أخرى.
والمؤسف والمؤلم، أن الغزاة لم يكتفوا ببذر الفتن الطائفية فحسب، بل عمدوا إلى جلب تنظيم القاعدة الإرهابي وتوليد وإنتاج مشتقات جديدة من رحمه، كما هو حال تنظيمي “داعش والنصرة” الإرهابيين.
للمرء أن يتصور حجم الكارثة المركَّبة التي تقوم بها الإشعاعات السامة الناتجة عن اليورانيوم المنضب وتنظيم القاعدة الإرهابي ومشتقاته والفتن الطائفية المقيتة، وما أورثته من انقسامات وعداوات امتدت إلى الجانب السياسي لتشمل الحكومة والبرلمان وحتى الجيش والشرطة.
حقًّ إنها لمأساة، أفلا يحق بعد كل هذه الكوارث أن يطالب العراق الولايات المتحدة بتعويضات عن ما اقترفته يدها من آثام وموبقات وجرائم بحق الشعب العراقي والبشرية بل وأن يقاضيها أمام محكمة جرائم الحرب؟ فأرواح الأبرياء ومستقبل العراقيين أمانة تستصرخ من يصونها.

يمكنك قراءة الخبر ايضا في المصدر من هنا :جريدة الوطن العمانية